ابن حزم

12

رسائل ابن حزم الأندلسي

إن هذا النموذج الأرسطاطاليسي السّينوي ظلّ هو المحور المعتمد في كل تصوّر لأصناف العلوم ، ولكن بدلا من طرح العلم الأعلى عند الفلاسفة ووضع علم آخر موضعه - كما فعل ابن عبد البر - أصبح جهد المصنفين موجّها نحو الإبقاء عليه كما هو ، واستحداث مركّب آخر ثنائي يقسم العلوم في قسمين : علوم الدين وعلوم الدنيا ، أو علوم المسلمين وعلوم الأوائل ، أو العلوم النقلية والعلوم العقلية ، إلى غير ذلك من تسميات خلّدت هذا التوازي على مرّ الزمن . ولا ندري متى بدأت هذه الرؤية الثنائية تجد طريقها إلى التصنيف ، ولكنا نعتقد أنها أقدم بكثير من التقسيمات الثلاثية ، وأنها ربما كانت وليدة اشتداد حركة الترجمة في القرن الثاني الهجري ، ذلك أنّا نجدها عند جابر بن حيان ( 200 / 815 ) الذي يرى أن العلوم تقع في ضربين : علم الدين وعلم الدنيا « 1 » ؛ إلا أننا إذا استرسلنا مع جابر في تفريعاته وجدناه يبني منهجا غاية في الغرابة ، فيقسم العلوم الدينية إلى شرعية وعقلية ، والشرعية ظاهرة وباطنة ، والعقلية نوعان : علوم معان وعلوم حروف ، فعلوم المعاني نوعان : فلسفية وإلهية ، وعلوم الحروف تنقسم أيضا إلى قسمين : طبيعي وروحاني ، فالطبيعي يتفرع إلى أربعة : هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، والروحاني ينقسم بدوره إلى نوراني وظلماني . ذلك هو الهيكل الذي تمثل أركانه العلوم الدينية ؛ أما العلوم الدنيوية فيقسمها جابر بحسب قيمتها إلى علم شريف وعلم وضيع : فالعلم الشريف هو الكيمياء - المجال الذي اختاره جابر لفكره وتجاربه - والوضيع هو علم الصنائع التي تعين الإنسان على الكسب الدنيوي « 2 » . وليس من الواضح إن كان الكندي ( 260 / 873 ) قد اعتمد القسمة الثنائية على نحو ما ، فإنّ رسالتيه اللتين قد توضحان موقفه لم يصلا إلينا ، وهما : كتاب مائية العلم وأقسامه وكتاب أقسام العلم الإنسي « 3 » ، غير أن استخدامه لفظة « الإنسي » في عنوان الكتاب يوحي بأنه كان يرى للعلوم مصدرين أحدهما إنساني ، وذلك ما يدل عليه قوله في رسالته في كمية كتب أرسطاطاليس وما يحتاج إليه في تحصيل الفلسفة : « فإن عدم عادم علم الكمية وعلم الكيفية ، عدم علم الجواهر الأولى والثواني فلم يطمع له

--> ( 1 ) رسائل جابر بن حيان ( كتاب الحدود ) : 100 وانظر أيضا منهج البحث العلمي عند العرب لجلال محمد عبد الحميد موسى ( بيروت 1972 ) ص : 61 . ( 2 ) انظر التعليق السابق . ( 3 ) الفهرست لابن النديم : 316 .